النداء الصامت
كنتُ في طريقي إلى المدرسة حين
التقيته في صباحٍ شتويٍّ بارد، كأن المدينة تمشي ببطءٍ ،تحمل أثقالاً لا تُرى. كان يجلس على المقعد الحديدي تحت مظلة انتظار الباصات
وملامحه جامدة كصخرةٍ صقلتها الرياح. للوهلة الأولى لم ألاحظ شيئًا غير اعتيادي، لكن حين تحرك، أدركت أن احدى ساقيه غائبة، وأن الفراغ الذي تركته لم يكن فراغًا جسديًا فقط، بل مساحةً ممتلئة بالحكايات والألم.
اقتربتُ منه بدافعٍ غامض، ربما كان الفضول، وربما شيءٌ أعمق يشبه النداء الصامت. كان ينظر إلى المارة بنظراتٍ حادة، ليست غاضبة ولا حزينة تمامًا، بل مزيجًا ثقيلًا من التساؤل والخذلان. شعرتُ وكأن عينيه تقولان ما لم ينطق به لسانه
هل يستحق هؤلاء الأشخاص أن أفقد ساقي؟ هل يستحقون أن أتحمل هذا الألم ومرارة الأيام؟
جلسنا بصمتٍ طويل قبل أن يبدأ بالكلام. قال إن اسمه لم يعد مهمًا، فالأسماء تُنسى، أما الجراح فتبقى. أخبرني عن المعركة التي فقد فيها ساقه، كانت ليلةٍ اشتعلت فيها السماء بالنار، وعن أصواتٍ اختلط فيها الصراخ بالأوامر، والخوف بالشجاعة. لم يكن يتحدث كبطلٍ أسطوري، بل كإنسانٍ عاديٍّ وجد نفسه في لحظةٍ فاصلة بين الحياة والموت، فاختار أن يدافع عن وطنه
قال إنه لم يشعر بالألم في البداية، بل بشيءٍ يشبه الخدر، كأن جسده رفض الاعتراف بما حدث. الألم الحقيقي جاء لاحقًا، حين عاد إلى البيت، حين رأى أمه تحاول أن تبتسم وهي تبكي، وحين أدرك أن الطريق الذي كان يسلكه سابقًا لم يعد ممكنًا كما كان. عندها فقط بدأ السؤال يطارده
هل كان ما فعلته يستحق هذا الثمن؟
كان ينظر إلى الأطفال الذين يركضون في الشارع، وإلى الشباب المنشغلين بهواتفهم، وإلى بعض الوجوه التي لا تعرف شيئًا عن الحرب سوى ما تسمعه في الأخبار. قال بصوتٍ خافت إن أكثر ما يؤلمه ليس فقدان الساق، بل شعوره بأن التضحية تُنسى سريعًا، وأن البعض لا يرى في الوطن سوى كلمة تُقال، لا مسؤولية تُحمل
ومع ذلك، لم يكن في صوته ندمٌ كامل. اعترف لي بأنه، رغم كل شيء، ما زال يشعر بشيءٍ من الفخر حين يتذكر رفاقه الذين لم يعودوا، وحين يتذكر اللحظة التي ظن فيها أن الوطن كان بحاجةٍ إليه. قال إن الوطن ليس الأشخاص، بل الأرض، والذكريات، والقبور، والآمال الصغيرة التي نحملها دون أن نشعر.
حين نهضتُ لأغادر، نظرت إليه مرةً أخيرة. كانت نظراته أقل قسوة، لكنها أكثر عمقًا. فهمتُ حينها أن سؤاله لم يكن موجّهًا لي وحدي، بل لنا جميعًا. هل نستحق نحن، الذين نعيش بأجسادٍ كاملة وقلوبٍ منشغلة، تضحيات من فقدوا أجزاءً من حياتهم ليبقى الوطن قائمًا؟
استقليت الباص لكن نظراته بقيت تسير معي، لتذكرًني بأن بعض الأسئلة لا تبحث عن إجابة، بل عن ضميرٍ حي.
ولم أكن أعلم أن تلك الخطوات الصباحية العادية ستقودني إلى درسٍ أعمق من كل ما سأدرّسه ذلك اليوم. كنتُ أسير محمّلًا بأفكاري المعتادة: الكتب، دفاتر التصحيح، وضجيج التلاميذ الذي يملأ الممرات. لكن بعد لقائي به، تغيّر كل شيء. شعرتُ أن الطريق إلى المدرسة لم يعد طريقًا واحدًا، بل صار طريقين: أحدهما يقود إلى الصف، والآخر يقود إلى داخلي.
عندما وصلتُ إلى المدرسة، كان جرس الدخول قد قرع، واصطفّ التلاميذ في الساحة ببراءتهم المعتادة. وجوههم المضيئة بدت بعيدة كل البعد عن تلك النظرات التي رأيتها في عيني الرجل. دخلتُ الصف وأنا أحمل معي حكايته، شعرتُ بثقلها في صدري، وكأنها تطالبني ألا أتركها عند الباب.
نظرتُ إلى تلاميذي واحدًا واحدًا. كانوا مختلفين في الملامح، لكنهم متشابهون في أحلامهم الصغيرة التي لم تجرحها الحياة بعد. أغلقتُ الكتاب الذي كنتُ أنوي شرحه، وقلت لهم بهدوء اليوم، لن ندرس الدرس المكتوب. أريد أن أحكي لكم عن شخصٍ التقيتُ به في طريقي إلى هنا
ساد الصمت، ورفعت العيون نحوي باهتمامٍ مفاجئ. بدأتُ أسرد لهم ما رأيت: الرجل الجالس، ساقه المفقودة، نظرته الثقيلة، وسؤاله الصامت الذي ظلّ يلاحقني.لم أُخفِ الألم. قلتُ لهم إن هذا الرجل فقد ساقه في معركة الدفاع عن الوطن، وإنه كان يتساءل في داخله هل كان من أجلنا؟ وهل كنّا نستحق؟
حين انتهيتُ، لم أتحدث كثيرًا، بل سألتهم سؤالًا واحدًا
«لو كنتم مكانه، ماذا كنتم ستشعرون؟»
رفع التلميذ الأول يده. كان فتىً هادئًا يجلس في الصف الأمامي. قال بتردد، أظن أنني سأكون فخورًا… حتى لو تألمت. لأنني دافعت عن بلدي
ابتسمتُ، لكنني لاحظتُ أن كلماته كانت تشبه ما نتعلمه أكثر مما نعيشه.
ثم تحدثت تلميذة تجلس قرب النافذة، كانت عيناها تلمعان بالدموع ،أنا سأغضب… ليس لأنه فقد ساقه، بل لأن الناس قد تنسى. لا أحد يحب أن يتألم ثم يُنسى
كلماتها أصابتني في الصميم، لأنها لامست جوهر نظرة ذلك الرجل
أما تلميذ آخر، المعروف بشقاوته، قال بصوتٍ خافت أنا خائف. لو كنت مكانه، سأخاف أن أضحي، ثم أكتشف أن الوطن لا يهتم
ساد صمتٌ قصير، وتوالت الكلمات، وكل تلميذ كان يرى الرجل بطريقته. أحدهم قال إن الوطن أكبر من الأشخاص، وآخر قال إن الوطن هو الأشخاص أنفسهم. بعضهم رأى في التضحية شرفًا مطلقًا، وبعضهم رآها سؤالًا مفتوحًا بلا إجابة. كنتُ أستمع أكثر مما أتكلم، وكأنني واحدٌ منهم،
لاحظتُ أن القصة لم تكن عن رجلٍ فقد ساقه فقط، بل عن جيلٍ يحاول أن يفهم معنى الانتماء، وعن فجوةٍ بين من ضحّوا ومن يعيشون نتائج تلك التضحية دون أن يشعروا بثقلها
في النهاية قلتُ لهم، ذلك الرجل لم يكن يبحث عن شفقة، ولا عن مديح. كان يبحث عن معنى. وربما نحن مسؤولون عن إعطائه هذا المعنى، لا بالكلام، بل بما نكونه في المستقبل
حين غادر التلاميذ الصف، بقيتُ وحدي
للحظات. شعرتُ أنني أنا أيضًا كنتُ تلميذًا وأن الرجل الذي التقيتُ به في الصباح كان معلمي الحقيقي. و أن الوطن لا يُدافع عنه فقط في المعارك، بل في الصفوف الدراسية، وفي القيم التي نزرعها، وفي الذاكرة التي نرفض أن تموت.
في طريق عودتي، مررتُ بمحطه الباص مرةً أخرى. لم يكن الرجل هناك، لكن المقعد ظلّ شاهدًا صامتًا. ابتسمتُ بحزنٍ خفيف، وقلت في نفسي ان تضحيته انتقلت اليوم إلى قلوبٍ صغيرة، قد تكبر يومًا وهي أكثر وعيًا بثمن الوطن

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق