ليلى
كان بيتهم صغيراً، مبنياً من الطين والحجارة القديمة، يقف عند أطراف القرية كشيخٍ تعب من الوقوف لكنه يرفض السقوط. كانت هي الابنة الخامسة بين عشرة أطفال؛ أربعة إخوة وخمس أخوات، وكانت تعرف منذ طفولتها أن الفقر ليس عيباً، بل رفيقاً ثقيلاً يجلس معهم كل يوم على مائدة الطعام.
اسمها ليلى.
كانت تستيقظ كل صباح على صوت أمها وهي تعجن الخبز، وعلى رائحة الحطب المحترق، وعلى صراخ الدجاجات التي تبحث عن حبوب القمح المتناثرة. لم تكن تملك ألعاباً كثيرة، لكنها كانت تملك الحقول، والجبال، وأشجار التين، وسماءً واسعة تركض تحتها مع أخواتها.
كانت تضحك كثيراً.
كانت تلعب بالحجارة وكأنها دمى، وتصنع من القماش القديم فساتين صغيرة، وتجلس مساءً قرب جدتها تستمع للحكايات القديمة.
كبرت ليلى مثل أي فتاة تحلم.
عندما بلغت الخامسة عشرة، بدأت تنظر إلى المرآة أكثر. كانت تمشط شعرها الطويل وتتخيل يوم زفافها. كانت تحلم برجل يحبها، تنتظره عند الباب، يضحك معها، ويكون بيتها مليئاً بالأطفال والدفء.
كانت تظن أن الحياة، رغم قسوتها، ستمنحها شيئاً جميلاً.
لكن الحياة أحياناً تغيّر كل شيء في يوم واحد.
في أحد أيام الصيف، حدثت مشاجرة بين أخيها الأكبر وأحد شباب المنطقة المجاورة. بدأت بكلمات غاضبة، ثم دفعات، ثم حجارة، ثم انتهت بجثة.
في المساء، لم يعد أخوها إلى البيت.
عاد الرجال فقط.
امتلأت القرية بالصراخ.
جلست أمها تضرب صدرها، بينما جلس أبوها صامتاً، ينظر إلى الأرض وكأنه كبر عشرين سنة دفعة واحدة.
بعد أيام، اجتمع رجال العشيرتين.
كانت ليلى تسمع الهمسات دون أن تفهم.
ثم ناداها أبوها.
نظر إليها طويلاً قبل أن يقول:
"سامحيني يا ابنتي."
لم تفهم.
حتى أخبرتها أمها وهي تبكي:
"سيأخذونك."
في تلك المنطقة، كانت هناك عادة قديمة قاسية؛ عندما يُقتل شخص، تُعطى فتاة من عشيرة القاتل لعشيرة المقتول باسم الزواج.
لكن الجميع يعرف أنها ليست زواجاً.
بل عقوبة.
كانت ليلى هي الثمن.
بكت.
صرخت.
تشبثت بثوب أمها.
لكن أحداً لم يسألها.
في صباح بارد، خرجت من بيتها.
لم تحمل شيئاً.
لا ألعاب طفولتها.
لا صورها.
لا أحلامها.
حتى اسمها، شعرت أنها تركته خلفها.
وصلت إلى بيت العشيرة الأخرى.
وهناك عرفت الصدمة الأكبر.
لم يكن لدى عائلة المقتول أبناء كبار.
كان لديهم طفل فقط.
عمره أحد عشر عاماً.
قالوا لها:
"هذا زوجك."
نظرت إليه.
كان خائفاً مثلها.
طفل لا يفهم لماذا ألبسوه ملابس الرجال.
وفتاة لا تفهم لماذا حولوها إلى عقوبة تمشي على قدمين.
منذ ذلك اليوم، أصبحت ليلى خادمة.
تستيقظ قبل الجميع.
تطبخ.
تنظف.
تحمل الماء.
تعمل في الحقول.
ممنوع أن تزور أهلها.
ممنوع أن تضحك كثيراً.
ممنوع أن تعترض.
حتى الكلام أصبح قليلاً.
كانت تشعر أنها لم تعد إنسانة كاملة.
مرت السنوات.
كبر الطفل.
وكبرت معه المأساة.
أصبحت أماً.
ثم أماً مرة أخرى.
ثم مرة ثالثة.
حتى أصبح لديها تسعة أطفال.
تسعة.
كانت تنظر إليهم أحياناً وتتساءل:
كيف استطعت أن أعيش كل هذه السنوات؟
كانت تبتسم لأطفالها.
لكنها عندما تبقى وحدها، تبكي.
لم تكن تبكي على الفقر.
ولا على التعب.
بل على تلك الفتاة ذات الخمسة عشر عاماً التي اختفت.
مرت عقود.
تغيرت البلدان.
اندلعت حروب.
نزح الناس.
ثم وجدت ليلى نفسها، بعد رحلة طويلة مليئة بالخوف والخسارات، في ألمانيا.
هناك، لأول مرة منذ سنوات طويلة، أصبحت تخرج وحدها.
تمشي في الشوارع.
تجلس في الحدائق.
ترى نساءً يضحكن بحرية.
وفي أحد الأيام، جلست أمامي.
كانت ترتدي ملابس بسيطة.
وشعرها امتلأ بالشيب.
لكن عينيها…
كانتا تحملان عمراً كاملاً من الحزن.
بدأت تتحدث.
في البداية كانت تبتسم.
ثم سكتت.
ثم قالت:
"تعرفين ما أكثر شيء يؤلمني؟"
انتظرت.
قالت:
"ليس أنني عشت كل هذا."
ثم أضافت:
"المؤلم أنني لا أتذكر كيف كانت أحلامي."
سكتت قليلاً.
ثم قالت:
"أحياناً أفكر… لو بقيت تلك الفتاة ذات الخمسة عشر عاماً، ماذا كانت ستصبح؟"
لم أعرف ماذا أقول.
فقط نظرت إليها.
وبكت.
وبكيت معها.
لأن بعض القصص لا تؤلمك لأنها غريبة.
بل لأنها حقيقية أكثر مما ينبغي

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق