Freedom Voice

ضع اعلان هنا

اخر الاخبار

الاختيار


يوسف لم يكن طفلًا عاديًا.
رغم أنه لم يتجاوز العاشرة من عمره، كان يحمل في داخله ما لا يحمله كثيرون حتى في ضعف عمره.
هادئ الطبع، لا يتكلم إلا حين يكون للكلام معنى، ويصمت حين تضجّ الدنيا من حوله بالضوضاء. صوته هادئ لكن نبرته واثقة، ووجهه صافٍ دائمًا كأنه لا يعرف الحقد. عيناه تحملان فضولًا عميقًا، لا يشبه فضول الأطفال العابر، بل شغفًا بالحياة، بالعلم، وبالمعرفة.

كان يحب العدالة، ويتمنى أن تكون كل القوانين عادلة كقوانين السماء، مؤمنًا بأن العدل الحقيقي لا يأتي إلا من هناك.

لكنهم كانوا يكيلون له الاتهامات، لا لأنه فعل شيئًا خاطئًا، بل لأنه لم يكن مثلهم. كان يسمي الأشياء بأسمائها، في حين هم يسرقون ويحتالون ويغتابون، ثم يتباهون بأفعالهم على أنها ذكاء وفطنة. أما هو، فكان يقيم تلك الأعمال القذرة على حقيقتها. في نظرهم، كانت طيبته غباء، وصدقه شيئًا مضحكًا، فكانوا يسخرون من أمانته ومن أسلوبه الخالي من الشتائم والألفاظ السوقية.

في كل مرة كانوا يهاجمونه، كان يصمت… لا لأنه ضعيف، بل لأنه يدرك أن الرد أحيانًا لا يغيّر شيئًا، بل يمنح التفاهة صوتًا أعلى.

وفي يوم ثقيل، بعد أن تعرض لخيانة وافتراء من أقرب أصدقائه، عاد إلى المنزل محنيّ الظهر، كأن روحه أثقل من جسده. دخل على أمه، وعيناه محمرّتان من القهر، لا من الدموع. وقف أمامها وقال بصوت خافت: لماذا يكون للتافهين والكاذبين والمنافقين صوت أعلى؟

ولماذا لم تعلّميني التفاهة وقلة الأدب والخيانة والكذب حتى أتمكن بسهولة من العيش في هذه الحياة؟ ولماذا… ولماذا؟"

نظرت إليه أمه، ولم ترى طفلًا يبكي… بل شابًا صغيرًا يئنّ من خيبة العالم. اقتربت منه، وضعت يدها على رأسه، وقالت: لأنك مختلف، وهم لا يحتملون المختلف.

أنت صادق، وهم اعتادوا الكذب.
أنت تحب العلم، وهم لا يعرفون إلا الجهل.
أنت عميق، وهم لا يطفون إلا على السطح.
أنت مرآة يرون فيها خيباتهم.

ثم ابتسمت وغيّرت نبرة صوتها                      لا تيأس يا عزيزي… فحملات استكشاف إمكانية العيش على القمر ما زالت مستمرة

تفاجأ وقال:

"وما دخل القمر بالموضوع؟"

ابتسمت مجددًا وأجابت:

لأننا، يا بني، سنبني هناك يومًا ما بيتًا صغيرًا… بعيدًا عنهم.
بيتًا نعيش فيه بسلام، بين الكتب والحدائق الجميلة، في مكان لا يسخر فيه أحد من الطيبة، ولا يذمّ النبل، ولا يستهزئ بالصدق

صمت يوسف قليلًا، ثم قال بهدوء:

أنا لا أريد الهرب يا أمي… أنا أحبهم وأتمنى أن أعيش معهم بسلام.

فقالت وهي تبتسم ابتسامة هادئة:

القمر يشبهنا يا بني… بعيد، هادئ، ومضيء رغم كل الظلام حوله

في تلك الليلة، جلس يوسف قرب نافذته، يحدّق في السماء. لم يشعر بالهزيمة، بل بشيء آخر… شعور بالانتظار. انتظار لمكان يليق به، أو لزمن لا تُعتبر فيه الطيبة سذاجة، ولا الثقافة غرابة، ولا الاحترام ضعفًا. وعيناه ممتلئتان بالدموع، لا لأنه استسلم… بل لأنه لا يريد أن يُهزم.


ليست هناك تعليقات