الاختيار
كان يحب العدالة، ويتمنى أن تكون كل القوانين عادلة كقوانين السماء، مؤمنًا بأن العدل الحقيقي لا يأتي إلا من هناك.
في كل مرة كانوا يهاجمونه، كان يصمت… لا لأنه ضعيف، بل لأنه يدرك أن الرد أحيانًا لا يغيّر شيئًا، بل يمنح التفاهة صوتًا أعلى.
وفي يوم ثقيل، بعد أن تعرض لخيانة وافتراء من أقرب أصدقائه، عاد إلى المنزل محنيّ الظهر، كأن روحه أثقل من جسده. دخل على أمه، وعيناه محمرّتان من القهر، لا من الدموع. وقف أمامها وقال بصوت خافت: لماذا يكون للتافهين والكاذبين والمنافقين صوت أعلى؟
نظرت إليه أمه، ولم ترى طفلًا يبكي… بل شابًا صغيرًا يئنّ من خيبة العالم. اقتربت منه، وضعت يدها على رأسه، وقالت: لأنك مختلف، وهم لا يحتملون المختلف.
ثم ابتسمت وغيّرت نبرة صوتها لا تيأس يا عزيزي… فحملات استكشاف إمكانية العيش على القمر ما زالت مستمرة
تفاجأ وقال:
"وما دخل القمر بالموضوع؟"
ابتسمت مجددًا وأجابت:
صمت يوسف قليلًا، ثم قال بهدوء:
أنا لا أريد الهرب يا أمي… أنا أحبهم وأتمنى أن أعيش معهم بسلام.
فقالت وهي تبتسم ابتسامة هادئة:
القمر يشبهنا يا بني… بعيد، هادئ، ومضيء رغم كل الظلام حوله
في تلك الليلة، جلس يوسف قرب نافذته، يحدّق في السماء. لم يشعر بالهزيمة، بل بشيء آخر… شعور بالانتظار. انتظار لمكان يليق به، أو لزمن لا تُعتبر فيه الطيبة سذاجة، ولا الثقافة غرابة، ولا الاحترام ضعفًا. وعيناه ممتلئتان بالدموع، لا لأنه استسلم… بل لأنه لا يريد أن يُهزم.

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق