Freedom Voice

ضع اعلان هنا

اخر الاخبار

حين تهتزالقناعه


في ركن هادئ من مكتبة الجامعة جلست، والأوراق مبعثرة حولي، دفتر ملاحظاتي ممتلئ بالاقتباسات القانونية والتعليقات التي كتبتِها خلال السنوات الماضية. لم يبقَ سوى القليل، أنا الآن في السنة الأخيرة من دراستي الجامعية في كلية القانون..

تمر في بالي كل اللحظات التي عشتِها من  اليوم الأول، رهبة القاعة الكبيرة، أول محاضرة في "مبادئ القانون"، المناقشات الطويلة مع الزملاء والزميلات، أصوات الأساتذة وهم يكررون: "القانون ليس فقط مادة دراسية، بل هو مسؤولية ورسالة."

أشعر بمزيج من الفخر والقلق. الفخر لأني وصلت إلى هنا بعد تعب وسهر وصبر،انا في طريقي لتحقيق حلمي حلم الطفوله لان اكون يوما محاميه، والقلق لأني لا أعرف القادم، ماذا بعد التخرج؟ هل سأبدأ التدريب في مكتب محاماة؟ هل سأخوض معركة الدراسات العليا؟ أم أني سأقف قريبًا أمام القاضي لادافع عن أول موكّل لي؟ ولكن كيف وأنا لم أدخل محكمة قط

كيف سأقف في المحكمة وأنا لم أدخلها من قبل؟
هذا السؤال كان يطاردني كل ليلة. خلال سنوات الدراسة، كان كل شيء نظريًّا: مواد، نصوص قانونية، مراجع… لكن لم تتح لي الفرصة لاعيش الواقع داخل قاعة المحكمة.

في أحد الأيام، بينما كنتِ أسير قرب مبنى المحكمة في مدينتي، توقفتِ فجأة أمام الباب الكبير. شعرتِ أن خطواتي تتردد، وأن قلبي ينبض بقوة. لكن للأسف خانتني شجاعتي وغلبني القلق والخوف وتراجعت في اللحظة  الأخيرة

في طريق عودتي رفعتِ رأسي نحو السماء وقلتِ بهدوء أنا لم أدخل المحكمة من قبل… لكنني سأدخلها قريبًا كمحامية

 لم يعد هذا الحلم بعيدًا. سنواتي في الكلية علمتني الكثير، ليس فقط عن النصوص والمواد، بل عن نفسي أيضًا قوتي، إصراري وإيماني بالعدالة.

بعد أيام طويلة من الامتحانات المرهقة، جاء اليوم الذي انتظره كما جميع الطلبة في السنة الأخيرة من كلية القانون: المقابلة الفردية مع أحد الأساتذة. كانت الغاية أن يعرف الأستاذ كيف يفكر كل طالب، وما هي مشاريعه بعد التخرج.

دخلت مكتبه بخطوات مترددة، وقلبي ينبض بشدة. جلست أمام الأستاذ الذي كان يتصفح أوراقي ثم رفع رأسه بابتسامة هادئة.

قال:
مبروك، انتهيتِ من الامتحانات النهائية. كيف تشعرين الآن؟

أخذتِ نفسًا عميقًا وأجبتِ ، بصراحة أشعر بمزيج من الفرح والخوف. الفرح لأن الطريق لتحقيق الهدف أصبح أقصر  والخوف لأن القادم مجهول

ابتسم الأستاذ وقال:
هذا طبيعي. أخبريني، ما العمل الذي تحبين أن تكوني فيه بعد التخرج؟

ترددتِ للحظة، ثم تكلمتِ بصدق ،أحلم أن أكون محامية أدافع عن المظلومين. رغم أن دراستنا كانت نظرية أكثر من عملية، ولم أدخل محكمة من قبل، لكنني أؤمن أنني أستطيع أن أتعلم وأتطور. أريد أن أبدأ بالتدريب العملي، أن أرى كيف تُدار القضايا في الواقع

أومأ الأستاذ برأسه باهتمام، ثم سأل: ومشاريعك المستقبلية على المدى الطويل؟

ابتسمتِ هذه المرة بثقة أكبر: أطمح أن أُكمل دراساتي العليا، ربما في القانون الدولي أو حقوق الإنسان. أريد أن أكون صوتًا قويًا للعدالة

ساد صمت قصير، ثم قال الأستاذ بنبرة مشجعة
كلماتك صادقة، أن الخوف في البداية طبيعي، لكن الشجاعة هي أن تتحركي رغم الخوف. لديكِ أساس قوي، وما ينقصك هو الخبرة العملية فقط… وهذا سيأتي مع الوقت

وفي نهاية المقابلة، نظر إليّ أستاذي نظرة عميقة كأنها تخترق أعماقي، ثم قال كلمات لم تفارق أذني إلى اليوم:تذكّري، أنتِ في قاعة المحكمة ستدافعين عن موكلك، لا عن العدالة

توقفت عندها مشاعري، وشعرت بارتجاف في داخلي. كان صوته يحمل ثِقلاً أكبر من مجرد نصيحة، كان إنذارًا، أو لعله اختبارًا لإيماني بما اخترت. منذ تلك اللحظة وأنا أتساءل: هل العدالة شيء نسعى إليه حقًا، أم أنها صورة مثالية نتمناها، بينما المحاكم لا تعرف إلا طرفين… مدعي ومدعى عليه




ليست هناك تعليقات