Freedom Voice

ضع اعلان هنا

اخر الاخبار

الفخر


في أحد أيام الشتاء الباردة، كنت أجلس في القطار في طريق العودة إلى مدينتي، حيث قضيت اليوم كله في مدينة قريبة جميلة تشبه بغداد ويمر بها نهر الراين الجميل الذي يشبه دجلتنا  أو تصورته كذلك فأنا لم أرى نهر احلى ولا اروع من نهر دجلة، وكنت أثناء سير القطار أراقب المناظر التي تمر بسرعة  من خلف النافذة. كانت السماء رمادية، والهدوء يلف المكان، وكانت تجلس بجانبي فتاة في مقتبل العمر. نظرت إليّ بابتسامة خجولة، ثم سألتني بلطف

هل أنتِ عراقية

تفاجأت بسؤالها، لكنني ابتسمت وأجبت

نعم، كيف عرفتِ؟

قالت سمعتك تتحدثين مع حفيدك بالعربية

بدأ الحديث بيننا يكبر شيئًا فشيئًا، وكأننا نعرف بعضنا   منذ زمن. أخبرتني أنها سورية، جاءت إلى ألمانيا مع عائلتها عندما كانت في العاشرة من عمرها. تحدثت عن طفولتها، عن رحله الخوف واللجوء إلى دوله اجنبية والمعانات لاثبات الذات ، وعن معاناتها في تعلم اللغه والتأقلم  بين وطنين ولغتين اظهر كلامها حب وشغف وشوق وتمسك بالماضي ورغبة واصرار لوصول الهدف 

ثم    

سألتني عن قصتي، فترددت قليلاً، ثم بدأت أتحدث. اخبرتها باني بعد تخرجي  من كلية القانون في العراق عملت في الدوائر القانونيه

 لإحدى الوزارات ثم افتتحت مكتبي الخاص وعملت لحسابي الخاص رغم الظروف الصعبة التي مرت بها  كنت أحب عملي وأشعر بقيمتي من خلاله. كنت أحاول أن أكون صوتًا للعدل وكلي إصرار على تحقيق  أهدافي،   المعاناة كانت كبيره بحيث كان من الصعب ان يشق الإنسان طريقه في بلدي دون نضال طويل الأمد ومعانات  وخوف من الفشل الذي يتربص لك في كل مكان. 

 بعدها ساءت الضروف اكثر واكثر وبدأ الامل يضعف وجاءت الايام الحالكه السواد التي اجبرني جبرا على أن اتخذ خطوة لم اكن يوما اعتقد انها ستحصل  واضطررت إلى الهجرة     

تنهدت قليلاً، ثم أكملت هنا بدأت من جديد نضال من نوع اخر اكثر قسوه وضراوه، تركت بلدي واهلي لابحث عن حياه افضل وامان لم أجده في بلدي وفخري الذي احب  

 لقد بدأت من تحت الصفر لا لغه لا عمل لا

اهل  لم يكن الأمر سهلاً، لكنني لم أستسلم عملت  لسنوات طويلة، حتى وصلت إلى سن التقاعد


كنت أتكلم بهدوء، لكن في داخلي كانت تمر سنوات  التعب والجهد كفلم ملون بالضبط كما عشناها بكل المراره وبكل المصاعب التي مرت بها والالم الذي صاحب مسيرتنا

 ثم 

أضفت وأنا أبتسم  كنت دائمًا فخورة بنفسي. لم أعتمد على مساعدات الدولة، بل عملت وربيت أطفالي بكرامة. كنت أقول دائمًا إن الإنسان يجب أن يقف على قدميه وان يصمد ويقاوم ويسرع الخطى وبعون الله يصل إلى اهدافه 

كانت الفتاة تنظر إليّ بإعجاب، وعيناها تلمعان. 

لكن فجأة، وأنا أستمر في الحديث، شعرت بشيء يتغير داخلي. توقفت للحظة، وإذا بدموعي تنهمر دون أن أستطيع إيقافها.

تفاجأت أنا قبلها. لم أفهم لماذا أبكي. لقد كنت دائمًا أروي قصتي بفخر وقوة، دون أن أشعر بهذا الضعف. حاولت أن أتمالك نفسي، لكن البكاء كان صادقًا، دافئًا، وكأنه يخرج من أعماق قلبي.

قالت الفتاة بصوت هادىء ربما لأنكِ قوية  طموحه ليس للهزيمه معنى في حياتك  وقد حان الوقت  لتواجهي نفسك لتقيمي رحلتك الصعبه 

لتعطي الحق لنفسك لكي تبكي 

ففي البوح راحه 

ودموعك المحبوسه وجدت طريقها 

دون استئذان لتقول انك قد وصلت الى الهدف ويجب أن نستريح 

نظرت إليها، وشعرت بشيء من الراحة. ربما كانت محقة. ربما كنت أحمل كل تلك السنوات بداخلي دون أن أتوقف لأشعر بها. كنت دائمًا مشغولة بأن أكون قوية، أن أستمر، أن لا أنحني.

مسحت دموعي وابتسمت لها، وقلت 

غريب… لا أعرف لماذا بكيت

فقالت:  ليس كل بكاء ضعف… أحيانًا هو تقدير لكل ما مررنا به

عندما وصل القطار إلى محطتي، وقفت لأغادر. شعرت أنني أخف من قبل، وكأن شيئًا ثقيلاً قد انزاح عن صدري. شكرتها، وودعتها، لكن كلماتها بقيت معي.

في ذلك اليوم، أدركت أن الفخر لا يمنع الدموع، وأن القوة الحقيقية ليست فقط في الصمود، بل أيضًا في القدرة على الشعور… والاعتراف بكل ما عشناه

ليست هناك تعليقات