Freedom Voice

ضع اعلان هنا

اخر الاخبار

حكايه لم تكتمل


 وكأنني حين أمسكتُ بالقلم لم أكن أرسم شكلاً، بل كنتُ أُفرغ ما لا يُقال. كانت الخطوط تتقاطع بلا نظام، تتعرّج، تنكسر، ثم تعود لتبحث عن معنى ضائع بينها، تمامًا كما أفعل أنا حين أبحث عن نفسي في زحام الأيام. لم تكن لوحةً تُعلّق على جدار، بل كانت مرآةً صامتة، كل من يحدّق فيها يرى فوضاه الخاصة      

في كل خطٍ مائل حكاية لم تكتمل، وفي كل نقطةٍ سوداء ذكرى توقّفت عند منتصف الألم. لم أسعَ إلى التناسق، لأن روحي لا تعرفه، ولم أبحث عن الجمال المتعارف عليه، أردت فقط أن أكون صادقة، حتى لو بدوت قاسية، حتى لو بدت اللوحة كصرخةٍ لا تعرف طريقها إلى أذن أحد

كنتُ أرسم وأنا أستعيد وجوهًا غادرت، وأصواتًا خفتت، وأحلامًا كبرت أسرع مما يجب ثم انهارت فجأة. كل خطٍ كان محاولةً للتمسك بشيءٍ يفلت، وكل مساحةٍ فارغة كانت اعترافًا بالعجز. أدركتُ حينها أن الفراغ ليس غيابًا، بل حضورٌ ثقيل لا نعرف كيف نتعامل معه.

روحي لم تتبع يومًا مسارًا مستقيمًا. كانت دائمًا تميل، تتردد، تخطئ الطريق، ثم تعود محمّلة بالأسئلة. لذلك لم أُجبر الخطوط على الاستقامة، تركتها تمشي كما تشاء، تتعانق أحيانًا وتتصادم أحيانًا أخرى. فهكذا نحن البشر، لا نعيش في انسجامٍ دائم، بل في صراعٍ مستمر بين ما نريد أن نكونه وما نحن عليه بالفعل

كلما نظرتُ إلى ما رسمت، شعرتُ أنني أقرأ رسالةً كتبتها لنفسي في وقتٍ لم أكن أملك فيه الكلمات. كانت اللوحة تهمس لا بأس أن تكوني متعبة، لا بأس أن تكوني مشتتة، المهم ألا تنكري ذلك. ربما لهذا السبب شعرتُ براحةٍ غريبة، كأنني أخيرًا توقفت عن الهروب من ذاتي وجلستُ معها، بكل ما فيها من فوضى وخوف ورجاء خافت.

لم تكن الروح المبعثرة ضعفًا كما اعتقدتُ طويلًا، بل كانت دليلًا على أنني عشت، وتأثرت، وخسرت، وحاولت من جديد. الروح التي لا تتبعثر لم تُنحني، لم تُكسر، ولم تُعاد صياغتها. أما روحي، فقد مرّت بكل ذلك، ولهذا استحقت أن تُرسم كما هي، بلا أقنعة.

في زوايا اللوحة، خطوط خفيفة بالكاد تُرى، تمثل تلك الأجزاء مني التي ما زالت تحلم بتحقيقها رغم كل شيء. أحلام صغيرة، خجولة، لا تصرخ، لكنها موجودة، تنتظر فرصةً لتكبر. وفي المنتصف، كتلة داكنة، ثقل السنين، ثقل التجارب، ثقل الأسئلة التي لم أجد لها جوابًا بعد

أدركتُ أن الرسم لم يكن هدفه الفهم، بل القبول. أن أقبل أنني لست كاملة، وأن حياتي ليست قصةً مرتبة بفصول واضحة. هي مسودّة، مليئة بالشطب، بالإضافات، بالتناقضات. ومع ذلك، هي قصتي، ولا أحد غيري يستطيع أن يرويها بهذا الصدق.

حين انتهيت، لم أشعر أنني أغلقت فصلًا، بل فتحت نافذة. نافذة تطل على داخلي، على تلك المساحة التي أخاف دخولها أحيانًا. اللوحة جعلتني أتنفس. جعلتني أرى أن الفوضى ليست نهاية، بل مرحلة، وأن الخطوط المبعثرة قد تتحول يومًا ما إلى معنى، حتى لو لم يكن واضحًا الآن.

رسمتُ روحي المبعثرة بخطوطٍ مبعثرة كروحي، لا لأُعجب أحدًا، بل لأُنقذ نفسي من الصمت. لأن بعض الأرواح لا تُكتب، ولا تُقال، بل تُرسم… وتُترك لتتكلم بطريقتها الخاصة.


ليست هناك تعليقات