الهويه
مرارا يقف الإنسان أمام نفسه متسائلاً: من أنا؟ وكيف صرت إلى ما أنا عليه الآن؟ يسوقنا هذا التساؤل عميقاً إلى واحد من أعقد المختبرات الفكرية، لو تخيلنا أننا وُلدنا في بقعة جغرافية أخرى، وتحت سقف عائلة مغايرة تماماً فهل كنا سنحمل نفس المشاعر، ونقدس نفس المبادئ، ونكره ذات الأشياء التي ننفر منها اليوم؟
إن الإجابة عن هذا السؤال ليست مجرد خيار بين الأبيض والأسود، بل هي رحلة طويله من البحث والتفكير والتساؤلات حيث تعمل الجينات مع المؤثرات البيئية لتشكل في النهاية ما نسميه الذات
عندما نتحدث عن الهوية الإنسانية، فإننا نتحدث في الواقع عن مستويين متداخلين هما الجوهر البيولوجي والنواة الفطرية من جهة، والمحيط الثقافي والاجتماعي من جهة أخرى. يأتي الإنسان إلى هذا العالم محملاً بشفرة تحدد الملامح الجسدية وهي ماتسمى
DNA.
فيمتلك الشخص ملامح جسديه وعقليه وحسيه تبقى معه سواء وُلد في قرية ريفية هادئة أو في قلب عاصمة صاخبة. ومع ذلك، فإن هذه النواة الجينية لا تعمل في فراغ، بل تحتاج من ينحتها وهنا يأتي دور العائلة والمكان اللذين يمنحان الإنسان اللغة التي يفكر بها لأن التفكير بلا لغة ممكن ولكن الانسان سوف لا يستطيع ان ينقل معرفته الفكريه الا باللغه، فيتغير وعي الإنسان كلياً بتغير الضروف التي نشأ فيها، لدرجة أنه لو وُلد بأبوين آخرين وجينات مختلفة تماماً، فإن نسخته الحالية لن توجد أصلاً، بل سيحل محلها وعي آخر تماماً.
وهذا يؤثر على أغلب مشاعرنا والتي تعني بها عواطف الحب والكراهية. نحن نميل واهمين إلى الاعتقاد بأن مشاعرنا تنبع من أعماقنا بكامل حريتنا، لكن الحقيقة تؤكد أن معظم ما نحبه ونكرهه هو نتاج البيئة المتراكمه في انفسنا فالطفل الذي يُولد في عائلة آسيوية تستعمل التوابل الحارة ينشأ وهو يربط هذه النكهات بالدفء والأمان الأسري، بينما لو وُلد الطفل نفسه في عائلة أوروبية، فقد يرى في ذات التوابل مصدراً للإزعاج الحسي. وينطبق الأمر ذاته على مقاييس الجمال، والأزياء، والموسيقى، وحتى المواقف العاطفية فنحن ننجذب عاطفياً لما يعزز شعورنا بالأمان الذي غُرِس فينا منذ الصغر، كما أننا نتعلم النفور والكراهية من خلال ماتعلمناه من مجتمعنا فما نراه اليوم خطاً فادح ونرفضه بشدة، قد يكون في مجتمع آخر تصرفاً طبيعياً أو حتى محببا.
ولا يتوقف الأمر عند حدود المشاعر والذوق الشخصي، بل يمتد ليشمل كل المبادئ والقيم والانتماءات، وهي الميادين الأكثر تأثراً بالجغرافيا والتربيه حيث تعطينا البيئة مجموعة الاستعدادات التي يكتسبها الفرد حتى تصبح بمثابة طبيعة ثانية له. ومن هذا المنطلق، يصبح الانتماء الوطني، والديني، والقبلي فرضيات قدمتها لنا عائلاتنا والمكان الذي عشنا فيه. فلو نشأ المرء في مجتمع رأسمالي فردي، ستكون مبادئه متسقة مع الإنجاز الشخصي والاعتماد على الذات، بينما لو نشأ في مجتمع اشتراكي أو قبلي، لكانت أسمى مبادئه هي التكافل والتضحية بالفرد من أجل المجموع. إن مبادئنا الأخلاقية والسياسية، في جوهرها، ليست سوى انعكاس للتعليمات والمقتبسلت التي تلقيناها في بيئتنا الأولى.
ورغم أن هذا التحليل قد يبدو وكانه يجرّد الإنسان من إرادته الحرة ليجعله ريشة في مهب ريح الظروف، إلا أن الوعي الإنساني يتدخل ليمنحنا طوق النجاة. فرغم أن المكان والعائلة يمنحاننا الأسس التي تشكل نسختنا الأولية، إلا أن هناك لحظة فارقة في حياة كل إنسان يتكون لديه النضج العقلي، ومخالطة الثقافات، والقراءة. هذا الوعي هو الذي يسمح لنا باعاده تشكيل ذاتنا ولهذا نرى أناساً نشاوا في بيئات متطرفة وأصبحوا دعاة للسلام وآخرين خرجوا من بيئات معينة واختاروا مسارات فكرية مغايرة تماماً.
من هذا يمكن القول إنك لو وُلدت في مكان آخر وعائلة أخرى، فلن تكون أنت نفسك بالمعنى المتداول للكلمة اليوم؛ بل ستكون شخصاً آخر، يحمل اسماً آخر، ويتحدث بلسان مختلف، ويدافع عن قضايا قد تراها الآن هامشية. وربما تعتنق أفكاراً تناقض ما تؤمن به حالياً. لكن ما هو جميل في الانسان انه ليس كقالباً إسمنتياً جامداً، وانما يملك القدرة على التفكير واستنباط الحقائق وامتلاك وعياً يتجاوز حدود المكان الذي ولد فيه و الصفات الوراثيه المفروضه عليه فهو لست فقط ما صنعته عائلتك ومكان ولادتك بل هو أيضاً ما اختاره وصنعه بنفسه عندما ملك زمام عقله فالهوية اذا ليست مجرد محطة انطلاق نولد فيها، بل هي بناءٌ يتشكّل عبر التجارب، والقيم، والثقافة، والاختيارات التي نصنعها مع مرور الزمن فهي ما نصبح عليه من خلال تجاربنا، وافعالنا وجهودنا المبذوله لتغيير انفسنا والسمو بها إلى أعلى المستويات كما أن علاقاتنا بالآخرين واكتساب المعارف والتجارب من الاختلاط بهم ومحاورتهم لها أيضا اثر كبير جدا في نحت الشخصيه واضافه الكثير من الخبرات لها

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق