انت محظوظه
كنت يائسة، لا لأن الحياة قاسية فحسب، بل لأنني شعرت أن قدرتي على الاستمرار قد تآكلت ببطء، كما يتآكل الحجر. لم يكن اليأس صاخبًا، بل هادئًا، يتسلل إلى الروح دون استئذان، ويُقنعك بأن التعب قدر، وأن الصمت هو الخيار الوحيد. كنت أعيش الأيام وكأنها نسخ متشابهة، أؤدي واجباتي الخارجية بينما داخلي غارق في فراغ لا اسم له
في إحدى الجلسات العابره مع صديقة قديمة، نتحدث عن تفاصيل الحياة اليومية، عن الصحة، عن الزمن الذي يترك بصماته على الأجساد والقلوب. فجأة، نظرت إليّ وسألتني عن العملية الكبرى التي أجريت لي قبل سنوات. كان سؤالها مباشرًا، بسيطًا في ظاهره، لكنه أيقظ في داخلي ذاكرة حاولت طويلًا أن أضعها في زاوية بعيدة من الوعي. أجبتها بهدوء: لقد كان الم لايمكن وصفهم وخوف مزق روحي و عقلي حتى اعتقدت اني على مشارف النهايه ولكني قاومت بكل ضعفي وانكساري وخوفي من أجل البقاء، من أجل اكمال المسيره
ساد الصمت للحظة، ذلك الصمت الثقيل الذي يسبق العواصف الداخلية. تابعت حديثي وقلت إنني خضعت لعملية جراحية كبيرة، أُزيلت خلالها عدة أعضاء من جسدي. في الحقيقة أنا لم أكن أروي قصة بطولة، بل حقيقة عشتها، بألمها وخوفها ومعاناتها. قالت وهي تنظر إليّ مليًا: ومع ذلك ما زلتِ تحيين بعد كل هذه السنوات الطويلة
نظرت إليّ طويلًا، وكأنها تحاول أن ترى ما وراء ملامحي، ما وراء جسدي الذي قاوم، وما وراء الروح التي تعثرت ولم تنكسر تمامًا. ثم قالت جملة لم أتوقعها أنتِ محظوظة.
ترددت الكلمة في داخلي طويلاً محظوظة؟ كيف يمكن أن يُوصف من مرّ بكل هذا الألم، بكل هذا الخوف من الموت، بكل هذا الفقد الداخلي، بأنه محظوظ؟ في تلك اللحظة لم أجد جوابًا. ابتسمت ابتسامة باهتة، لكن السؤال ظلّ معلقًا في ذهني.
عدت إلى البيت وأنا أفكر في معنى الحظ. هل الحظ هو النجاة؟ أم هو القدرة على الاستمرار رغم كل العثرات؟ هل الحظ أن أعيش، أم أن أتعلم كيف أعيش بعد أن تغيّر كل شيء؟ أدركت أنني طوال السنوات الماضية كنت أنظر إلى تجربتي من زاوية الخسارة فقط, ما فقدته من جسدي، من قوتي، من أحلامي المؤجلة. لم أنظر يومًا إلى ما ربحته, نظرة أعمق للحياة، حساسية أعلى للألم الإنساني، وقدرة على تقدير اللحظات الصغيرة التي كان الآخرون يمرون بها مرور الكرام.
لقد كان امتحان لوجودي. وضح لي كم انا هشه وضعيفه، وعرّفني على حدودي، لكنه في الوقت ذاته كشف لي عن قوة لم أكن أعلم بوجودها داخلي. قوة الصبر، قوة الاحتمال، وقوة النهوض بعد كل سقوط. لم أشعر ابدا كم اني تغيرت وكم أصبحت افكر اكثر عمقا ونضجا،كم فقدت من ايماني وانا اترنح بين الحيره والخذلان وضبابيه الرؤيا . .
حين وصفتني صديقتي بالمحظوظة، لم تكن تقلل من معاناتي، بل كانت ترى النتيجة التي غفلتُ عنها أنا، أنني ما زلت هنا. أتنفس، أشعر، أحب، وأحزن. ما زال لي صوت، وما زال لي أثر. أدركت أن اليأس الذي شعرت به لم يكن بسبب ما مررت به، بل بسبب نسياني لما تجاوزته.اليوم، لا أقول إنني شُفيت من اليأس تمامًا، لكنه لم يعد سيد الموقف. تعلمت أن أتصالح مع ضعفي، وأن أحتضن ندباتي بوصفها شهادات حياة لا علامات هزيمة. نعم، كنت محظوظة، لا لأنني لم أتألم، بل لأنني نجوت، ولأنني ما زلت أملك فرصة أن أروي قصتي، وأن أجد في كل صباح سببًا جديدًا للاستمرار

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق