Freedom Voice

ضع اعلان هنا

اخر الاخبار

الطبع والتطبع



في الفلكلور العراقي، هناك العديد من القصص والأمثال الشعبية التقليدية التي تناقلتها الأجيال لنقل العبر والمواعظ.

ففي هذه القصة، كان هناك أعرابي يسير في  الصحراء بيوم شتوي قارص البروده حيث تحولت الرمال إلى طبقات غير مرئية من الجليد، وكانت الرياح تعزف ألحانها بأسلوب سريع وعنيف. كان يرتدي معطفاً ثقيلاً مصنوعاً من جلد الجمل، ويلف رأسه ووجهه بشال سميك. كان عليه أن يعجل في خطاه قبل أن يحل الظلام،  وكان يحمل أملاً كبيراً في الوصول إلى هدفه قبل حلول الضلام، وبالفعل استطاع مواصلة السير. كانت البرودة تخترق العظام، حتى إن أنفاسه كانت تتجمد في الهواء بمجرد خروجها. وفي وسط هذا الفضاء الموحش، لم يكن يُسمع سوى صوت الريح وخطواته الثقيلة وهي تطأ الرمال المتجمدة.

وبينما كان  يصارع العاصفة، أبصر شيئا أدهشه، على طرف صخرة حادة، كانت هناك أفعى صحراوية ضخمة تتلوى بضعف. لم تكن مجرد متجمدة، بل كانت مصابة بجرح  تجمدت دماؤه وأعاقتها عن الحركة. كانت عيناها غائرتين وجسدها مشلولاً بالكامل بفعل البرد القارس.

وقف هناك، وقد تملكته العاطفة. استيقظت فيه غريزة إبن الصحراء'، تلك الغريزة التي تعرف تماماً خطورة هذا الكائن وما تحمله من سم قاتل ومن شيمة غادره. حذره عقله قائلاً

'إنها أفعى، وطبعها الغدر،وهي تحمل السم الزعاف،  لكن قلبه الرحيم عصى عقله، وهمس له بصوت خافت عطوف 

'كيف لي أن أترك كائناً حياً للموت يعاني البرد والجراح؟ كل روح تتألم تستحق الرحمة، والرحمة لا تتجزأ.

بعد برهة من التفكيراتخذ  قراره،. قطع قطعة من  معرفه الصوفي الثقيل، ولفّ بها الأفعى المصابة بحذر شديد لكي لا يفاقم جرحها. ثم فتح حقيبته الجلدية ووضع الأفعى داخلها ليحميها من الرياح الثلجية. وواصل طريقه عبر الصحراء ليصل قبل حلول الضلام،  ومع كل خطوة، كان جسده يبعث الدفء نتيجة المجهود. فينتقل هذا الدفء تدريجياً عبر الحقيبة الجلدية إلى المعطف الصوفي الذي يلف الأفعى.

وبدا الدفء يسري في جسد ها المتجمد...

بدأت الدماء تسير في عروقها مجدداً،  فاستعادت الأفعى بعض من  قوتها وصحتها . لكن مع عودة الحياة إليها، لم تشعر الأفعى بأي امتنان أو عرفان، بل فقط غريزتها البدائية الخام اللدغ والخيانه.وفي اللحظة التي كان فيها الاعرابي يستمتع فيها ببلسم العطاء وعظمة صنيعه، شعر بألم حاد كالحريق في ظهره، كأنه مسمار محمّى يثقب أضلاعه. فاطلق  صرخة مدوية هزت الصحراء، وسقط على ركبتيه  من شدة الألم. ألقى الحقيبة جانباً، فخرجت الأفعى سريعة مفعمة بالنشاط، بعد أن زال عنها المرض والبرد. نظرت إليه بنظرة باردة خالية من أي رحمة، ثم انسابت بمرونة بين الصخور واختفت في الظلام.

انتشر السم القاتل كالنار في الهشيم في عروقه، وشعر بأنه يفقد السيطرة على أنفاسه ووعيه. نظر إلى موضع اللدغة، ثم إلى الحقيبة التي كانت ملاذها الآمن، وتنهد بحسرة ممتلئة بالندم، وقال كلماته الأخيرة التي أصبحت مثلاً يُضرب من بعده:

قد أخطأتُ عندما ظننتُ أن الدفء والرحمه   وحسن الصنيع  يمكنه أن يغير طبيعة الغدر والخيانة وعدم العرفان بالجميل وعظ اليد التي امتدت للمساعده  وهي لم تقتله لانها كانت خائفه او جائعه أو لتدافع  عن نفسها أمام خطر جسيم  بل لان الطبع يغلب التطبع وهذه هي طبيعتها التي لا تتغير كما هو طبع بعض البشر الذي تسري الخيانة في دمه كالسم .القاتل للافعى ويقابلون المعروف بالرذيله والحقد فهذه القصة التي صوّرتها الصحراء تعطي درساً مؤثراً عن واقع بشري مؤلم

لان طباع  بعض النفوس تُولد على الغدر والخبث، ومهما قدمت لها من الدفء والطيبة  .

 فالرحمه في غير موضعها جهل والطيبة فضيلة عظيمة، لكن تقديمها لمن لا يستحقها  هو نوع من الغباء وتعريض النفس للهلاك.

• لا تنتظر الوفاء ممن غريزته الخيانة فالإحسان إلى اللئيم لا يزيده إلا طغياناً، كما قال أبو الطيب المتنبي:

إِذا أَنتَ أَكرمتَ الكَريمَ مَلَكتَهُ ... وَإِن أَنتَ أَكرمتَ اللَئيمَ تَمَرَّدا


ليست هناك تعليقات