الخوف
الخوف… ذلك الزائر المجهول
الخوف ليس دائمًا صوتًا مرتفعًا أو خطرًا واضح المعالم. أحيانًا يأتي الخوف خافتًا، بلا اسم، بلا سبب، بلا إنذار. يتسلل مثل ظلٍ لا يُرى، لكنه يشعرك بثقله. لا يطرق الباب، لا يعرّف بنفسه، ولا يشرح لماذا جاء. فقط يأتي… ويستولي.
يتملكني الخوف المجهول الأسباب كما لو كان كيانًا مستقلًا عني، شيئًا لا علاقة له بالمنطق أو التفسير. لا حدث سبقَه، ولا فكرة واضحة استدعته، ومع ذلك أجد نفسي فجأة في قلب العاصفة. جسدي يعرف قبل عقلي، يرتجف قبل أن أفهم، وينكمش قبل أن أسأل: لماذا؟
في تلك اللحظات، أشعر أنني أُنتزع من واقعي. العالم من حولي يبدو مألوفًا وغريبًا في آن واحد. الأشياء في أماكنها، لكن إحساسي بها مشوش. الأصوات أعلى مما ينبغي، الضوء أكثر قسوة، والهواء أثقل مما أحتمل. كأن الكون قرر فجأة أن يضغط عليّ من كل الجهات.
الخوف المجهول لا يحتاج إلى مبرر. هو لا يأتي لأن هناك خطرًا حقيقيًا، بل لأنه قرر أن يأتي. وهذه هي قسوته الحقيقية، أنك لا تستطيع محاورته، لا يمكنك طمأنته بالحجج، ولا تهدئته بالمنطق. هو لا يسمع، ولا يهتم.
عندما تبدأ نوبة الخوف، أشعر وكأن جسدي ينقلب ضدي. قلبي، ذلك العضو الصامت الذي يعمل بإخلاص طوال الوقت، يبدأ بالخفقان بعنف، كأنه يحاول الهروب من صدري. ضرباته سريعة، غير منتظمة، مؤلمة أحيانًا، ومخيفة دائمًا. أضع يدي على صدري لأتأكد أنه ما زال هناك، وكأنني أخشى أن يتوقف فجأة أو ينفجر من شدّة الذعر.
يتسارع النفس، ثم يختنق. أحاول أن أتنفس بعمق، لكن الهواء لا يكفي. أشعر أن صدري ضيق، كأن هناك يدًا خفية تعصر رئتيّ. كل شهيق هو مجهود، وكل زفير يحمل خوفًا جديدًا. وأفكر، هل هذا طبيعي؟ هل سأفقد السيطرة؟ هل سأموت الآن؟
والأسوأ أنني أعرف، في مكان ما داخلي، أن هذه الأفكار مبالغ فيها… لكن المعرفة لا تُنقذني.
ترتعش أطرافي دون إذن. يداي تهتزان، ساقاي تضعفان، وركبتيّ تخونانني في أكثر اللحظات حاجة للثبات. أشعر بالبرودة تسري في جسدي، أو أحيانًا بحرارة مفاجئة تشتعل بلا سبب. يتصبب العرق، حتى في أبرد الأوقات، وكأن الخوف يحاول أن يخرج من جلدي.
اللحظات الحرجة أثناء نوبات الفزع هي لحظات عارية من كل حماية. أشعر أنني مكشوفة تمامًا، بلا درع، بلا ملجأ. لا شيء يطمئنني، ولا أحد يستطيع أن يفهم حقًا ما يحدث داخلي. قد أكون محاطة بالناس، لكنني وحيدة بشكل موجع. الخوف يعزلني،يضعني في فقاعة لا يدخلها أحد غيري.
أكثر ما يؤلمني في تلك اللحظات هو الشعور بفقدان السيطرة. أنا لست من يقرر، لست من يقود. الخوف هو السيد، وأنا مجرد جسد يرتجف تحت سلطته. أحاول أن أبدو متماسكة، أن أخفي ما يحدث، أن أبتسم أو أتكلم بشكل طبيعي، لكن في داخلي حرطاحنة. كل ثانية تمرّ هي اختبار للبقاء.
يضيع الزمن أثناء نوبة الخوف. الدقيقة تبدو ساعة، والثانية دهرًا. أعدّ ضربات قلبي، أراقب أنفاسي، أفتش في وجهي عن علامات الانهيار. أخشى أن يلاحظ الآخرون، وأخشى أكثر ألا يلاحظوا، لأنني حينها أكون وحدي تمامًا مع هذا الرعب
أدخل في دوامات القلق بلا نهاية. فكرة تقود إلى فكرة، وسيناريو أسوأ من سابقه. ماذا لو تكررت النوبة؟ ماذا لو فقدت وعيي؟ ماذا لو أصبحت هكذا دائمًا؟
القلق لا يكتفي بالحظة، بل يسرق المستقبل أيضًا. يجعلني أعيش الخوف قبل حدوثه، وأستعد للألم حتى في لحظات الهدوء
حتى بعد انتهاء النوبة، لا يرحل الخوف تمامًا. يترك خلفه إرهاقًا عميقًا، كأنني ركضت مسافة طويلة دون توقف. أشعر بالفراغ، بالإنهاك، وبحزن خفي لأنني مررت بكل هذا… مرة أخرى. أراجع نفسي، ألومها أحيانًا، وأسألها، لماذا؟ لماذا أنا؟ ولماذا بلا سبب؟
الخوف المجهول يجعلني أشك في جسدي، وفي نفسي، وفي قدرتي على الاحتمال. لكنه في الوقت نفسه يكشف لي هشاشتي الإنسانية. يذكرني أنني لست آلة، وأن القوة ليست دائمة، وأن الضعف ليس عيبًا بل حالة بشرية
أتعلم مع الوقت أن أعيش مع هذا الخوف، لا لأنني اخترته، بل لأنه اختارني. أتعلم أن ألتقط أنفاسي وسط العاصفة، أن أتشبث بلحظة هدوء عابرة، أن أقول لنفسي: لقد مرّ هذا من قبل، ونجوت. ربما لا يختفي الخوف، لكنه لا يقتلني
في أعماقي، ليست أنا. أنا تلك التي ترتجف… لكنها تبقى واقفة. أنا التي تخاف… لكنها تستمر.
الخوف قد يسكنني، قد يربكني، وقد يسرق مني الكثير من الطمأنينة، لكنه لم يسلبني قدرتي على الشعور، ولا رغبتي في الحياة، ولا أملي في يوم أهدأ فيه دون أن أرتجف.
وربما، في يوم ما، سأنظر إلى هذا الخوف لا كعدو، بل كأثرٍ لجروح لم تُشفَ بعد، كرسالة من جسدٍ تعب من الكتمان، وكنداءٍ خافت يطلب الفهم لا القسوة
إلى ذلك الحين، أتنفس… حتى وأنا خائفة.

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق