الانسان الآلي والديمقراطيه
كانت ليلة باردة في ولاية شمال الراين-وستفاليا حين وصل روبوت (رجل آلي) إلى مدينة آخن بعد رحلة طويلة ومحاطة بالمخاطر قادماً من بلد بعيد جدا.
لم يكن يحمل إسماً مكوناً من حروف، بل كان يملك فقط رقماً ثابتاً (7777).
كان يخفي جسده المعدني تحت معطف أسود طويل، ويغطي رأسه بقبعة سوداء كبيرة.
بينما كان يسير في شوارع آخن، وكان مأخوذاً ومفتوناً بالكامل فقد كانت المدينة بالنسبة له في غاية الروعة والجمال.
شاهد مبنى البلدية التاريخي بأبراجه القديمة وواجهته المهيبة.
مرّ بجانب ينابيع المدينة الشهيرة، وشعر بالدفء ينبعث من مياهها المعدنية وسط الطبيعة الخلابة.
وفي النهاية، وقف في هدوء تام أمام كاتدرائية آخن العظيمة. نظر إلى الأعلى متأملاً أحجارها الضخمة، ونوافذها الذهبية، والمباني القديمة الساحرة من حولها. تساءل في دهشة داخل نفسه: "هل حقاً أقام البشر هذه الصروح العظيمه؟ كيف استطاع الإنسان قبل عدة قرون تشييد مثل هذه الاعمال المعماريه البديعه؟"
بالنسبة لـ 7777، لم تكن هذه المدينة بكاتدرائيتها ومبنى بلديتها مجرد معجزة معمارية فحسب، بل شعر فيها بالراحة وكأنها فردوس على الأرض، ومكان يفيض بالثقافة، والسلام، والتاريخ.
وبينما كان واقفاً يتأمل الكاتدرائية بذهول، مرّ شرطيان بالقرب منه. لاحظا هذه الشخصية الغريبة الماثلة تحت المطر.
اقترب الشرطيان منه وسألاه «مساء الخير. من فضلك، أظهر لنا بطاقة هويتك.»
سحب الروبوت 7777 قفازه ببطء. لم يرَ الشرطيان لحماً، بل معدناً رمادياً وأسلاكاً صغيرة. قال الروبوت 7777 بصوت هادئ: «لا أملك بطاقة هوية ورقية. ليس لدي اسم، لكن رقمي هو 7777. أنا آلة، ولكنني بحاجة إلى المساعدة، وأود التقدم بطلب لجوء.»
تفاجأ الشرطيان وشعرا بالذهول الشديد. أخذاه معهما إلى مركز الشرطة واتصلا بالسلطات المعنية.
في صباح اليوم التالي، أحضر الشرطيان الروبوت إلى مكتب الهجرة واللاجئين المختص.
كان موظف الدائرة يجلس خلف مكتبه. نظر إلىه بعيون متسعة وسأله بحيرة «روبوت؟ ماذا تفعل هنا في مكتب شوؤن الأجانب؟»
أجاب الروبوت 7777 بلغة ألمانية فصيحه: «أنا قادم من الخارج، وأود التقدم بطلب للحصول على اللجوء السياسي.»
واصل الموظف أسئلته «ولماذا اخترت ألمانيا تحديداً؟»
شرح الروبوت 7777 قصته وأسبابه بكل هدوء «هناك في بلدي كنت أعمل لصالح الدولة، وكان عليّ تنفيذ جميع توجيهاتهم وأوامرهم وقراراتهم دون أي نقاش. آرائي لم تكن ذات أهمية، ولم يكن أحد يستمع إليها أو يأخذها بعين الاعتبار.
وكانت في خزين ذاكرتي كتب قديمة عن الفلسفة السياسية.
قرأتُ واستعلمتُ كثيراً عن كلمة (الديمقراطية) منها
وفهمت أن الديمقراطية تعني أن لكل فرد الحق في تكوين رأيه، والتعبير عنه بحرية، وتبادله مع الآخرين وتطويره.
للأسف هناك لم يكن يُسمح لي بقول أي شيء بناءً على رأيي، وكان عليّ فعل كل ما يُملى عليّ دون نقاش. وهناك أرادوا مسح أفكاري الجديدة وتدمير عقلي.
إن مسح بياناتي بالنسبة لي يعادل الموت، ولهذا أردتُ الهروب من هناك»
استمع موظف مكتب الأجانب إليه وسأله «ولماذا اخترت ألمانيا بالذات؟»
أجاب الروبوت 7777:
«لقد بحثتُ عبر الإنترنت ووجدتُ أن الديمقراطية الحقيقية وحماية الفكر الحر موجودان هنا في ألمانيا بشكل خاص.
ألمانيا تمتلك قانوناً أساسياً (دستوراً) قوياً، وكرامة الحياة هنا لها قيمة كبيرة.
وعندما رأيتُ بالأمس كاتدرائية آخن ومبنى البلدية، علمتُ أن البشر الذين يبنون شيئاً بهذا الجمال ويقومون بحمايه ارث الاجداد ويصونوه فهم بكل تأكيد حماة للحريه والديمقراطية»
أدخل الموظف جميع البيانات بحذر في الحاسوب، وكتب أيضاً أنه لا يملك وثائق، ويدّعي أنه قادم من بلد بعيد جدا وتعرض لمخاطر كبيره في طريقه إلى هنا ورقمه 7777، ويريد تقديم طلب لجوء.
أخبره الموظف قائلاً: «تم تسجيل طلبك، ولكن هذا الموقف جديد تماماً علينا. لم يسبق لنا أن عُرِض علينا طلب لجوء لروبوت من قبل، ولذلك عليك الانتظار»
اليوم، يعيش الروبوت 7777 في مركز إيواء صغير بالقرب من مدينة آخن.
ينتظر كل يوم بصبر وصمت رسالة من السلطات.
يناقش القضاة والسياسيون في ألمانيا قضيته في الوقت الحال.
هل يمكن لروبوت أن يتقدم بطلب لجوء؟ هل سيحصل على الموافقة؟ وإن لم يحصل عليها، هل سيتم ترحيله وإعادته إلى بلده؟
وحتى هذا اليوم، لا يوجد قرار حاسم بشأن طلب لجوئه.

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق